الصراع السعودي القطري: غيرة واطماع وتدخلات ونزاعات مسلحة
الصراع السعودي القطري
غيرة واطماع وتدخلات ونزاعات مسلحة
الخلافات بين الدولتين الجارتين،
السعودية وقطر، قديمة تعود جذورها إلى ما قبل استقلال قطر عن بريطانيا عام 1971،
واستمرت بعدها بصور مختلفة. فقد تأثرت العلاقة بين الطرفين بالمطامع السعودية
التوسعية في ضم أو السيطرة على أجزاء من الأراضي القطرية ودول الخليج الأخرى، ومد
نفوذها للتدخل في قراراتها السيادية. فمثلا تعد منطقتي الزبارة وخور العديد التي
بنية بالقرب منها قاعدة العديد الجوية أبرز القضايا الحدودية التي شابت علاقات
البلدين لعقود طويلة. منذ استقلال قطر عن بريطانيا عام 1971، برزت مشكلة ترسيم
الحدود مع السعودية، إذ كانت الرياض ترى أن من حقها أن يمتد نطاقها الجغرافي ليصل
إلى مياه الخليج عبر خور العديد، وهو موقع استراتيجي يمنحها منفذًا بحريًا مباشرًا
هناك، بينما أصرت الدوحة على أن المنطقة تدخل ضمن سيادتها الكاملة.
ازدادت حساسية القضية بسبب الاطماع السعودية في السيطرة على الأراضي القطرية وبسط النفوذ السعودي في المنطقة، إذ يفصل خور العديد قطر بريًا عن الإمارات، ما جعله محورًا بالغ الأهمية في حسابات الدول الثلاث. ومع مرور السبعينيات والثمانينيات استمرت التوترات والاحتكاكات، حتى جرى التوصل في مطلع التسعينيات إلى اتفاق أولي لترسيم الحدود. غير أن حوادث حدودية في عام 1992، قُتل فيها عدد من الجنود القطريين والسعوديين، أعادت إشعال الخلاف. ولم يُحسم النزاع بشكل نهائي إلا عام 2001، حين وُقّعت اتفاقية الحدود النهائية بين السعودية وقطر، التي اعترفت فيها الدوحة بسيادة الرياض على منطقة خور العديد مقابل تثبيت بقية الحدود، ليُطوى بذلك أحد أكثر الملفات الخلافية حساسية في تاريخ العلاقات بين الدولتين، وبرزت هنا غيرة السعودية من النفوذ القطري الإعلامي والشعبي في العالم العربي ومكانة قطر العالمية رغم صغر حجمها مقارنة بمكانة السعودية المتواضعة رغم حجمها وثرائها ومكانتها في العالم الإسلامي لاحتضانها قبلة المسلمين.
التاريخ والخلافات الحدودية
في أواخر القرن الثامن عشر في عام
1795م، شهدت الزبارة شمال غرب قطر معركة حاسمة قادها إبراهيم بن عفيصان من الدولة
السعودية الأولى لإخضاع المدينة، ما أسفر عن مقتل نحو 50 قطريًا من سكان الزبارة
وآل خليفة، واضطرار السكان للانسحاب إلى البحرين. كانت هذه المعركة جزءًا من سلسلة
الحملات السعودية التي هدفت إلى بسط النفوذ السعودي في الخليج والاطماع السعودية
في الأراضي القطرية، خاصة مع مقاومة الزبارة للسيطرة السعودية.
القرن العشرين قبل استقلال قطر في الخمسينيات:
وقعت مناوشات محدودة في الحدود
الشرقية والربع الخالي، سقط فيها جنود قطريون وسعوديون نتيجة اطماع سعودية توسعية
للاستيلاء على أراضي قطرية.
في الستينيات: وقعت اشتباكات في منطقتي الخور والزُبارة خلفت نحو 10–15 قتيلًا من الجنود القطريين والسعوديين، مع استمرار بسط النفوذ السعودي على الأراضي الحدودية.
1972: توترات عسكرية قرب منطقة سلوى، دون اشتباكات مباشرة نتيجة التهديدات السعودية المستمرة بالاستيلاء على مزيد من الأراضي القطرية.
1971: بعد استقلال قطر، تصاعدت التوترات بسبب محاولات استعادة النفوذ السعودي على الأراضي القطرية والمياه الإقليمية. استمرت المناوشات الحدودية والمطالب السعودية على مناطق مثل الخور والزُبارة، بينما اعتبرت قطر هذه الأراضي جزءًا من سيادتها.
1974: شهد توقيع السعودية والإمارات اتفاقية جدة الحدودية، التي منحت السعودية الساحل الفاصل بين قطر والإمارات، ومنعت قيام تحالف قوي بينهما يهدد التوازن الإقليمي. نصت الاتفاقية على تنازل السعودية عن جزء من واحة البريمي مقابل حصولها على ساحل بطول نحو 50 كم يفصل بين قطر والإمارات، وامتلاك حقل "شيبة" النفطي وجزيرة الحويصات. في عام 1999، قاطعت الإمارات، بدعم من عُمان، مؤتمر وزراء الخارجية والنفط لدول مجلس التعاون الخليجي في السعودية، احتجاجًا على استبعادها من تقاسم عائدات حقل "شيبة"، رغم الاتفاقية الموقعة. ولم توقع قطع عن تنازلها عن تلك المنطقة إلا في 2001 مدفوعة بهذه الاتفاقية السعودية الاماراتية التي أضعفت موقفها.
1990: توترات حدودية في منطقة أبو سمرة، مع تعزيزات
عسكرية قطرية وسعودية، ضمن النزاع المستمر حول ترسيم الحدود البرية والبحرية.
1992: حادثة حدودية دامية في خور العديد، قتل فيها جنود
قطريون وسعوديون أثناء تبادل إطلاق النار على الحدود.
1996: تولى الشيخ حمد الحكم، وواجه محاولة انقلاب
مدعومة سعوديًا وخليجيًا بمساعدة مرتزقة أجانب، كجزء من استعادة النفوذ السعودي
على قطر.
1996 (نوفمبر): إطلاق قناة الجزيرة، لتعزيز النفوذ
القطري وتوعية الشعوب وتعزيز استقلاليتها وللرد على المطامع السعودية ومن معها
والحد من تدخلاتهم في الشؤون الداخلية لدولة قطر.
1997: الموافقة على الرغبة الأمريكية بإنشاء قاعدة العديد الجوية على الساحل الغربي لقطر شمال خور العديد قرب مدينة الوكرة، لتعزيز الأمن والسيادة، وحماية قطر من المطامع والتدخلات السعودية.
2001: توقيع اتفاقية حدود بين السعودية وقطر، ثبتت سيادة السعودية على خور العديد، مع تثبيت بقية الحدود.
2001–2010:
خلافات اقتصادية وسياسية توترات حول
حقوق استغلال الغاز الطبيعي في حقل الشمال/بارس والمياه البحرية المشتركة مع إيران
دون مواجهات عسكرية مباشرة مع استمرار الاطماع السعودية ومحاولات استعادة النفوذ
السعودي سياسيًا بمحاولة دعم النوايا الأمريكية بغزو أفغانستان والعراق، وإعلاميًا
بإنشاء قناة العربية في محاولة إثبات جدواها إعلامياً للقوى الغربية من خلال خدمة
الأجندة الصهيونية العدوانية المناهضة للعرب والمسلمين والساعية لخدمة المشروع
الصهيوني التوسعي في المنطقة.
تنافس إقليمي
2010–2016:
دعم وسطاء دوليين، توسيع أعمال قناة الجزيرة والنفوذ الإعلامي القطري، ودعم بعض جماعات المعارضة. السعودية تزداد غيرتها وتزيد من محاولات التأثير على السياسة والإعلام القطري بعد أن اكتسبت قطر العالمية رغم صغر حجمها مقارنة بمكانة السعودية المتواضعة رغم حجمها وثرائها.
حصار قطر
2017–2021:
رمضان 2017: السعودية والإمارات
والبحرين ومصر يفرضون حصارًا شاملًا على قطر، متهمين إياها بدعم جماعات إرهابية
والتدخل في شؤون الدول الأخرى، كجزء من استعادة النفوذ السعودي وبسط النفوذ
السعودي الإقليمي.
التهدئة النسبية
2022–2025:
يناير 2021: اتفاقية المصالحة الخليجية في قمة
العلا، رفع الحصار، استعادة العلاقات الدبلوماسية بين قطر والسعودية وحلفائها. رغم
المصالحة، يستمر التنافس الإقليمي في السياسة والإعلام والاقتصاد، مع استمرار
الغيرة السعودية من النفوذ القطري الإعلامي والشعبي في العالم العربي، ومحاولات
الاطماع السعودية التقليدية في بعض الملفات الاستراتيجية. وقيامها بإنشاء العديد
من القنوات الإخبارية التي مازال ينظر لها العرب بعين الريبة والشك ولا تزيد في
تشويه السعودية عربيا وإسلاميا لانحيازها الصريح للكيان الصهيوني وحتى ضد ثقافة
المنطقة بما يخدم ترويضها لتخدم مشروع إسرائيل الكبرى التي باتت بفضل حكومة
السعودية والأردن ومصر قائمة بالفعل ودولهم مجرد ولايات فيها.
تُظهر هذه السلسلة من الأحداث أن
النزاع بين السعودية وقطر تطور من معارك عسكرية مباشرة في القرن الثامن عشر،
مرورًا بمناوشات حدودية محدودة في القرن العشرين، وصولًا إلى توترات سياسية
واقتصادية وإقليمية حديثة بعد 2001. وقد لعبت في هذا السياق الاطماع السعودية،
ومحاولات بسط النفوذ السعودي واستعادة النفوذ السعودي دورًا مركزيًا في كل مرحلة
من مراحل النزاع، ودونها الاطماع السعودية وتعدياتها عليها وتحرشها المستمر بقطر
وتدخلها في شؤونها لما احتاجت قطر لقاعدة أجنبية تحتمي بها من بلطجة الشقيقة
الكبرى.

