مسؤولية محمد بن سلمان في رهن البلاد ومقدراتها بالديون الخارجية

 

مسؤولية محمد بن سلمان في رهن البلاد ومقدراتها بالديون الخارجية





يعتمد هذا التحليل على بيانات الرسم البياني المستمدة من بيانات وزارة المالية السعودية، ويعرض تطور الدين العام السعودي الداخلي والخارجي منذ عام 2002 حتى 2025. وتكشف هذه البيانات بوضوح اختلافا جذريا في إدارة الميزانية العامة بين مرحلتين سياسيتين واقتصاديتين متباينتين.



أولا: في عهد الملك عبدالله بن عبدالعزيز حتى نهاية 2014. خلال هذه المرحلة، يظهر في الرسم انخفاض واضح ومتواصل في الدين العام، إلى أن وصل إلى نحو 45 مليار ريال سعودي في عام 2014. هذا الانخفاض لم يكن نتيجة خفض الإنفاق، إذ شهدت البلاد توسعا كبيرا في الإنفاق الحكومي، لكنه تحقق نتيجة إدارة مالية منضبطة ومسؤولة حافظت على توازن الميزانية، ومنعت تراكم الالتزامات، ولم تلجأ إلى الديون الخارجية.

في هذه المرحلة: -لم يكن هناك دين خارجي يذكر -لم تكن الميزانية مرهونة بالتزامات طويلة الأجل -لم تكن الأعباء المالية ترحل إلى الأجيال القادمة

وهو ما يعكس أن خفض الدين كان خيارا سياسيا واعيا، لا نتيجة ظروف مؤقتة.

ثانيا: في عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز من فبراير 2015 فصاعدا. ابتداء من عام 2015، تكشف البيانات تحولا حادا في إدارة المالية العامة. فالدين العام يبدأ بالارتفاع سنويا دون انقطاع، وتظهر الديون الخارجية لأول مرة في السنة التالية لتولي الحكم، وهي الممثلة باللون الأخضر في الرسم، ثم تتوسع عاما بعد عام لتصبح جزءا رئيسيا من هيكل الدين العام.


هذا التحول لا يمكن عزوه إلى ضرورات اقتصادية قاهرة، بل يعكس سوء أداء في إدارة دفة الاقتصاد وقرارات مالية مرتبكة وعشوائية، رغم فرض ضرائب جديدة، وإلغاء بدلات، وتحميل المجتمع أعباء إضافية. ورغم هذه الإجراءات، استمر الدين في التضخم، دون أن ينعكس ذلك استقرارا ماليا أو تحسنا في مستوى المعيشة.


وتزامن هذا النهج مع:

-ارتفاع معدلات التضخم

-زيادة البطالة

-تآكل الطبقة المتوسطة

-وتراجع القدرة الشرائية للمواطن


الخلاصة:

في عهد الملك عبدالله، كان الدين العام في اتجاه انخفاضي واضح، نتيجة إدارة مالية متزنة منعت تراكم الالتزامات طويلة الأجل، ولم تزج بالبلاد في ديون خارجية أو رهانات مالية تتجاوز قدرات الاقتصاد. الدولة في تلك المرحلة لم تجعل من الدين أداة دائمة لإدارة الميزانية، ولم ترهن المستقبل لمعالجة اختلالات الحاضر.


أما في عهد محمد بن سلمان، فإن ما يظهره الرسم البياني ليس مجرد تضخم أرقام، بل انتقال كامل إلى نهج مديونية مفتوحة. الدين العام دخل في تصاعد مستمر عاما بعد عام دون توقف، رغم فرض الضرائب وإلغاء البدلات وتشديد الأعباء على المجتمع، ودون أن يقابل ذلك استقرار مالي أو تحسن اقتصادي ملموس.


وبنهاية 2025:

-بلغت نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي نحو 33 بالمئة

-تجاوز إجمالي الدين العام الإيرادات السنوية للدولة بما يقارب مرة ونصف

-وترسخت الديون الخارجية كعنصر دائم بعد أن كانت غير موجودة


الأخطر من ذلك أن هذه الديون الخارجية لا تستهلك الميزانية عند أصلها فقط، بل تستنزف احتياطيات الدولة من العملة الأجنبية عبر فوائدها السنوية، وفي مقدمتها الدولار الأمريكي. والسعودية، بخلاف الولايات المتحدة، لا تملك طباعة الدولار لسداد فوائد السندات التي تصدرها، بل تعتمد على إيرادات فعلية تتقلب صعودا وهبوطا. وهذا يعني أن خدمة الديون الخارجية ستتحول إلى نزف سنوي مستمر للاحتياطيات الأجنبية، في وقت تواجه فيه الدولة بالفعل قنوات استنزاف أخرى، من بينها:


-الحوالات الأجنبية للعمالة الوافدة

-تحويلات المستثمرين الأجانب في سوق الأسهم والقطاعات الأخرى

-خروج الأرباح والعوائد إلى الخارج

-والتزامات مالية خارجية متراكمة لا ترتبط بنشاط يولد عملة أجنبية مقابلة


وبذلك، تصبح الديون الخارجية قناة إضافية دائمة لخروج الدولار من الاقتصاد، ما يضيق هامش المناورة المالية، ويجعل الاستقرار النقدي أكثر هشاشة، ويعرض الميزانية لضغوط متزايدة مع أي تراجع في الإيرادات أو اضطراب خارجي.


هذه الخيارات لا تمثل إصلاحا ماليا، بل تعكس إدارة قصيرة النظر رهنت مستقبل البلاد لمعالجة اختلالات الحاضر بالاقتراض، وبدلا من تصحيح جذور المشكلة جرى ترحيلها وتضخيمها. والنتيجة ليست أرقاما أعلى فقط، بل تآكل تدريجي في قدرة الدولة على حماية اقتصادها ومجتمعها.


العواقب لا تتوقف عند الجيل الحالي، بل تمتد إلى مستقبل البلاد وشعبها والأجيال القادمة، عبر:

-تضييق الخيارات الاقتصادية

-تقليص القدرة على الإنفاق الاجتماعي مستقبلا

-زيادة الارتهان لعوامل خارجية لا تملك الدولة التحكم بها

-وتحويل الدين إلى عبء دائم يثقل كاهل الاقتصاد والمجتمع


ما تكشفه البيانات بوضوح هو أن البلاد انتقلت من إدارة مالية مسؤولة إلى واقع مديونية طويل الأمد، تتحمل مسؤوليته السياسية القيادة الحالية، وهو واقع لا ينذر إلا بمستقبل اقتصادي أكثر هشاشة، وأكثر عرضة للأزمات، وأثقل كلفة على شعبه وأجياله القادمة إذا استمر هذا النهج دون مراجعة جذرية.


المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الحكومة السعودية تقتل صحفيا آخر: الصحفي تركي الجاسر

سيرة المحامي إسحاق الجيزاني - مع بعض الذكريات

أسباب إنقلاب الأنظمة العربية على جماعة الإخوان المسلمين