لماذا لم يبد المسلمين اليهود
لماذا لم يبد المسلمين اليهود
سؤال قد يتبادر
إلى أذهان كثير من المسلمين وربما غير المسلين أيضا:
إذا كانت النصوص الإسلامية تصف اليهود بأنهم أشد الناس عداوة للمؤمنين، وتذكر أن المعركة الفاصلة قبل قيام الساعة ستكون معهم، وأنهم سيقاتلون المسلمين إلى جانب المسيح الدجال، بل وتشير سورة الإسراء إلى صراعين كبيرين معهم في فلسطين وعلى المسجد الأقصى، ثم جمعهم بعد شتاتهم في القدس… فلماذا لم يقم المسلمون وحكامهم عبر التاريخ بإبادتهم، بل فعلوا العكس تمامًا؟ فقد أنقذوهم وأحسنوا إليهم، حتى بلغ بعضهم مراتب عليا في الدولة والمجتمع، ويُعد عيشهم تحت الحكم الإسلامي "العصر الذهبي" في تاريخهم حيث ازدهرت علومهم وآدابهم.
فالمولى سبحانه
وتعالى يقول في كتابه المجيد:
{لَتَجِدَنَّ
أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا
وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا
إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا
وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ
تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ
يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} سورة المائدة:
82–83
كما ورد في الحديث النبوي:
"لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود"
(رواه البخاري ومسلم)
وتشير سورة
الإسراء إلى فسادين لبني إسرائيل في الأرض، وعُلُوٍّ كبيرين، ثم جمعهم بعد شتاتهم
في القدس، في قوله تعالى:
{وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا} [الإسراء: 4]، ثم يقول بعد ذكر عقاب المرتين: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا} [الإسراء: 104]
بل إن القرآن
يذكر نقضهم للمواثيق في قوله تعالى:
{فَبِمَا
نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً
يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ
وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ
فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة: 13]
ورغم هذا كله، عاش اليهود في المجتمعات الإسلامية قرونًا طويلة في تسامح تام من قبل المسلمين وحكامهم فُسمح لهم بالمشاركة في التجارة والطب والعلم والإدارة، وتولى بعضهم مناصب رفيعة، وازدهرت حياتهم العلمية والثقافية حتى سُميت تلك الفترة في تاريخهم بـ"العصر الذهبي لليهود". وقد آواهم المسلمون حين طُردوا من عدة أمم بل ووفروا لهم الحماية من الاضطهاد الذي عانوا منه وقد كانت سفن المسلمين تجليهم مع المسلمين دون تفرقة وقد فتحوا ديارهم وبلدانهم لهم من شمال أفريقيا إلى تُركيا مركز الخلافة العثمانية.
فكيف يُفهم سلوك المسلمين المتسامح تاريخيا معهم رغم الآيات والروايات النبوية والنبوءات التي ورددت بها والتي تحذرهم منهم وتعتبرهم عدوهم الأول، وبين واقع التعايش التاريخي معهم؟
الجواب يكمن في
خاتمة نفس الآية السابقة التي تحدثت عن نقضهم للمواثيق ولعن الله لهم في قولة
تعالى:
{فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة: 13]
فالقرآن يضع إطارًا للتعامل معهم يقوم على العفو والصفح والإحسان، رغم ما يُذكر من
صفاتهم. فالأخبار عن عداوتهم وفسادهم لا تعني إباحتهم، بل هي إنذار وتحذير
للمسلمين ليكونوا على بصيرة من أمرهم، مع بقاء أصل التعامل قائمًا على البر
والقسط.
كما يشير
القرآن إلى جمعهم بعد الشتات في قوله تعالى:
{فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا} [الإسراء: 104]
أي أن النص القرآني ينبئ باجتماعهم بعد تفرقهم في القدس، ورغم ذلك لم يأمر الله
المسلمين بالتصدي لهذه العودة أو منعها، بل يُفهم من الآية أن اجتماعهم بعد الشتات
يقع ضمن قدر الله ومشيئته أي حتمية وعلى المسلمين التهيئ والتعامل مع معها. وهي
مبحث كان على المسلمين التحضير له منذ أن قرأوا هذه الآيات الكريمات على أساس هل
ينبغي مقاومة عودتهم رغم أن الله يأمر بذلك، أو بقبول عودة من يشاء منهم وتخصيص
أراضي غير مملوكة ليستوطنوا فيها. هذه الآيات تطلب وضع أحكام لها للتعامل مع هذا
القدر الحتمي الذي أنبأ الله به المسلمين.
وهذا يشير إلى
أنه لو كانت عودتهم قد تمت بصورة طبيعية وسلمية داخل العالم الإسلامي، دون
الاعتماد على القوة والاحتلال والاستئثار بالدولة على حساب السكان الأصليين، لكان
من الممكن أن تُقبل في إطار النظام الإسلامي القائم على التعايش والذمة.
وقد يستشهد
البعض بالواقعة الشهيرة عندما عرض ثيودور هرتزل، مؤسس الحركة الصهيونية، المال على
السلطان عبد الحميد الثاني مقابل السماح بالاستيطان اليهودي في فلسطين، فرفض
السلطان ذلك رغم حاجة الدولة العثمانية الشديدة للمال. وكان رفضه نابعًا من إدراكه
أن المشروع الصهيوني لا يهدف إلى العودة بوصفها حقًا دينيًا أو إنسانيًا، بل يسعى
إلى إقامة كيان سياسي استعماري على أرض إسلامية.
لكن المسألة أعمق من ذلك؛ فلو أن اليهود لجؤوا إلى القضاء العثماني واستندوا إلى
النصوص الشرعية ذات الصلة بالحق في العودة، لكان من الممكن نظريًا أن يصدر حكم
يلزم الدولة العثمانية بالسماح لهم بالعودة الفردية في إطار النظام القانوني
الإسلامي القائم على الذمة والعهد، لا عبر مشروع استعماري يهدف إلى تهجير السكان
وتأسيس دولة قومية عنصرية.
وهكذا يتضح
أمران مهمان:
الأول: أن
المسلمين، رغم علمهم من نصوص دينهم أن اليهود سيكونون من أشد أعدائهم وأن المواجهة
الأخيرة ستكون معهم، لم يسعوا إلى إبادتهم أو استئصالهم، بل فعلوا العكس؛ فقد عاش
اليهود في ظل الدول الإسلامية قرونًا، وأُحسن إليهم، وبلغ بعضهم مراتب رفيعة في
العلم والإدارة والتجارة، حتى عُدَّت تلك العصور العصر الذهبي لليهود حيث ازدهرت
علومهم وآدابهم. كما وفر لهم المسلمون الحماية في كثير من المحن التي تعرضوا لها
في بلدان أخرى، وفتحوا لهم بلادهم ليلجأوا إليها، بل إن بعضهم أُجلي إلى بلاد
المسلمين نفسها طلبًا للأمان.
الثاني: أن
عودتهم إلى الأرض التي خرجوا منها كان يمكن أن تتم دون حروب ولا استئثار بالدولة،
ودون تحويل الأرض إلى ساحة صراع دائم، ودون اقتلاع سكانها الأصليين بالقتل
والتهجير؛ إذ تشير النصوص والتجربة التاريخية معًا إلى أن التعايش كان ممكنًا، بل
وقد تحقق فعلًا قرونًا طويلة داخل العالم الإسلامي.