عزوف الشباب عن الزواج وآثاره الكارثية
عزوف الشباب عن الزواج وآثاره الكارثية
تحوّلات ديموغرافية واقتصادية واجتماعية عميقة أبرز نتائجها المؤلمة هي عزوف الشباب عن الزواج بنسب كارثية كنتيجة مباشرة لسياسات العهد الحالي التي دمّرت مستقبل الشباب والشابات. فبدل أن تكون التنمية وسيلة لتمكين المواطن، تحوّل المواطن نفسه إلى ضحيةٍ لسياساتٍ همّشت أبناء الوطن، وفتحت الأبواب على مصراعيها للعمالة الأجنبية بينما أُقصي المواطن عن سوق العمل وإن توفرت فرصة عمل لديه فلن يجد سوى وظيفة مؤقتة ومتدنية الدخل، لا تضمن كرامته ولا تُؤمن استقراره.
لم يعد الحصول على فرصة عمل كريمة أمرًا سهلا، بل أصبح رهين الواسطة وربما حتى الواسطات لم تعد كافية للعثور على وظيفة كما في السابق لتشبع الوظائف في القطاعين الحكومي والخاص دون قيام الحكومة بابتكار حلول لخلق فرص عمل كاستثمار ثروة البلاد داخلها لا في الخارج.
رفاه المواطن تراجع مع ازدياد البطالة بين خريجي الجامعات وأصحاب الكفاءات إلى مستوى من التهميش وتدني جودة الحياة إلى مستويات خطيرة فاقمتها الضرائب والرسوم ورفع أسعار الوقود والكهرباء وتضخم الأسعار العام لتقضي على ما تبقّى من قدرة الشباب والأسر على مواجهة أعباء المعيشة. ارتفعت الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة، وتضاعفت تكاليف السكن، بينما اقتصر الدعم الاجتماعي على برامج شكلية رمزية لا تُغني ولا تُسمن من جوع بات ولي العهد محمد بن سلمان يستخدمها (حرفيا) للمن على شعبه بالفتات بينما يستأثر على حصة الأسد ويعبث بالكثير من عوائدة البلد ومدخراتها من أجل إشباع رغباته الشخصية في التملك كل ما أهل الأغلى في العالم وفي بناء القصور كآخر قصر له في نيوم والذي هو عبارة عن مجمع قصور وليس قصراً واحداً؛ وقد باتت حياة المواطن اليومية صراعًا من أجل البقاء.
تشير الإحصاءات إلى أن 73.7٪ من الشباب السعوديين و56٪ من الفتيات غير متزوجين، وهي أرقام تكشف عمق الأزمة التي صنعتها هذه السياسات الفاشلة. لقد أصبح الزواج، الذي كان عماد الاستقرار والتكامل الاجتماعي ورافد للاقتصاد بالقوة العاملة الوطنية، حلمًا بعيدًا لا يقدر عليه إلا الميسورون أو أصحاب السمو الأمراء من آل سعود وملحقاتهم من حواشي ومقربين، بينما يرزح عامة الشباب تحت عبء الغلاء والبطالة ومستقبل غامض في ظل تبديد ثروات البلاد ومدخراتها في مشاريع ضخمة غير قابلة للتطبيق تحوّلت إلى ثقوب سوداء تبتلع موارد الدولة، وتبديد مدخرات البلاد في الخارج لتلميع وليّ العهد، والمغامرة بها في استثمارات فاشلة، وفي أحداث لا تهمّ المواطن ولا تعود عليه بأي جدوى اقتصادية؛ فلا شيء يعود على المواطن من دفع أكثر من مئة مليون ريال في مباراة ملاكمة في لاس فيغاس، ومثلها من أحداث مشابهة تُهدر فيها أموال الشعب بلا عائد حقيقي، ولا علاقة لها بتنمية الاقتصاد أو استثمار المدخرات، ولا حتى بترفيه الشعب الذي لا يهمه هذا النوع من الترفيه. عبث يثبت استهتار وليّ العهد بثروات البلاد وبمعاناة الشعب ومستقبل شبابه ورفاهه، وبمستقبل البلاد برمّتها واقتصادها وثرواتها.
هذه الكارثة لا تقف عند حدود الأسرة، بل تمتد لتضرب مستقبل البلاد نفسه. فارتفاع نسب العزوف عن الزواج يعني انخفاض معدلات المواليد، وتراجع النمو الديموغرافي، وتقلص القوى العاملة الوطنية في المستقبل، ما سيجعل الاقتصاد أكثر اعتمادًا على العمالة الأجنبية ويضعف الإنتاجية الوطنية. كما أن تقلّص الأسر السعودية يعني تراجع الطلب المحلي، وركود الأسواق المرتبطة بالأسَر الجديدة، كالقطاع العقاري، والأثاث، والتعليم، والسفر، ما يخلق دائرة اقتصادية راكدة تقضم من الداخل.
أما اجتماعيًّا، فإن تأخّر تكوين الأسر وتراجع دور الزواج يُحدث فراغًا في منظومة القيم والتنشئة، ويزيد من العزلة والاكتئاب بين الشباب، ويقوّض التماسك الاجتماعي الذي طالما تميز به المجتمع السعودي. الأسرة ليست مجرد علاقة بين رجل وامرأة، بل هي عمود المجتمع، وضعفها يعني ضعف البلاد برمتها.
بات من الواضح للجميع بأن هذه الكارثة وغيرها من الكوارث التي حلت على المواطن ودمرت رفاهه وأحلامه وطموحاته وسحقت جودة الحياة التي تمتع بها هو السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي انتهجها العهد الحالي دون رؤية واقعية لمستقبل المواطن. فبدل أن تُبنى الرؤية على تمكين السعوديين، بُنيت على توسيع الاعتماد على الأجانب، ورفع الضرائب، ورفع الدعم عن الوقود والكهرباء، وفرض تعرفة جمركية مرتفعة على المواد الغذائية المستوردة، مع برامج ومشاريع لا علاقة لها بالتنمية إلا بتحقيق أحلام خرقاء طفولية لولي العهد الذي يستميت لإبهار العالم وليس مواطنيه.
وليّ العهد كان أكثر من تحدث ويتحدث عن تحسين جودة الحياة في البلد، لكن في الواقع هو عمل ويعمل على تدمير جودة الحياة فيها حيث يرى الناس أثر سياساته المدمرة على تراجع رفاه المواطنين وتآكل الطبقة المتوسطة وحتى طبقة الأثرياء ورجال الأعمال، وانتشار الفقر بين الشباب والمرضى وكبار السن.
ما لم تتغير هذه السياسات جذريًا وتُعاد الكرامة والفرص العادلة للشباب، فإن المملكة تسير نحو مستقبلٍ يتراجع فيه عدد المواطنين، مما يعني نقصًا حادًا في القوة العاملة الوطنية، وتآكلًا تدريجيًا في مقومات التنمية والاستقرار. الاستثمار في المواطن ورفاهه وتحسين جودة حياته هو الاستثمار الحقيقي الذي تبنى عليه الأمم، أما ما يُمارس اليوم من إقصاءٍ وتهميشٍ وتبديدٍ للطاقات فليس سوى خلطة عبثية سامة مؤكدة لانهيار التوازن الاجتماعي والاقتصادي للمملكة، وتهديدٍ مباشرٍ لمستقبل الدولة ومكانتها ووجودها ذاته.
