سياسة التفقير وأزمة الكساد في السعودية: ضرورة تبنّي سياسات اقتصادية توسعية وخفض سن التقاعد


 سياسة التفقير وأزمة الكساد في السعودية

ضرورة تبنّي سياسات اقتصادية توسعية وخفض سن التقاعد


الاقتصاد السعودي يسلك مسارًا مناقضًا للوعود المزعومة لـرؤية 2030. فالقوة الشرائية للمواطن تتراجع عامًا بعد عام، بينما بقيت الأجور شبه ثابتة منذ السبعينيات؛ وبدلاً من أن تُعالَج فجوة الدخل، أقدمت حكومة محمد بن سلمان على سلسلة من الإجراءات التي زادت العبء على المواطن: رفع ضريبة القيمة المضافة إلى 15٪، وإلغاء الدعم عن الوقود والسلع الأساسية، ورفع تعرفة الكهرباء، ومضاعفة أسعار المحروقات من 0.55 هللة إلى 2.5 ريال للتر، دون أي رفع موازٍ في الأجور أو تعويض فعلي للأسر.


في علم الاقتصاد الكلي، حين تُطبّق سياسات تقشفية في ظل ركود الدخل الحقيقي، ينكمش الطلب الكلي ويحدث ما يُعرف بـ الانكماش الذاتي؛ وهذا بالضبط ما جرى. الأسر السعودية خفّضت استهلاكها ليس فقط بسبب ارتفاع الأسعار، بل لأنها باتت تنفق على أفرادها العاطلين عن العمل الذين لا يحصلون على دعم كافٍ من الحكومة أو لا يحصلون على دعم مطلقا بحجج تافه تهدف إلى حرمانهم من دعم رمزي وليس حقيقي غطي الحد الأدنى من احتياجات المعيشة للفرد بما يحفظ كرامته. فبرامج المساعدات الحكومية رمزية وشكلية تُستخدم لتجميل صورة النظام أكثر من كونها أداة فعّالة للحماية الاجتماعية، إذ تُعلن “دفعات الدعم” في الصحف الرسمية لأغراض دعائية لا تنموية.


انعكست هذه السياسات مباشرة على قطاع الأعمال. فقد سجّلت كبرى شركات التجزئة في المملكة تراجعًا واضحًا في ربحيتها رغم ارتفاع مبيعاتها الاسمية. أسواق عبدالله العثيم أعلنت في الربع الأول من 2025 انخفاض أرباحها بنحو 34٪ رغم ارتفاع مبيعاتها إلى أكثر من 3 مليارات ريال، ما يعني أن الزيادة في الإيرادات التهمتها التكاليف التشغيلية. وبالمثل، حققت شركة بن داود القابضة انخفاضًا في أرباحها الصافية بنسبة 31٪ خلال 2024 نتيجة ارتفاع تكاليف التشغيل وضعف المبيعات في فروع بندة وهايبر بنده. أما شركة بنده للتجزئة التابعة لمجموعة صافولا، فقد واصلت إغلاق عشرات الفروع في مختلف المناطق بعد تسجيل خسائر تشغيلية متراكمة تجاوزت 300 مليون ريال خلال عامين متتاليين. كما تراجعت أرباح شركة المراعي، أكبر منتج أغذية في الخليج، بنسبة 16٪ في الربع الثاني من 2024 رغم ارتفاع أسعار منتجاتها، بسبب ارتفاع تكاليف التمويل والطاقة والنقل. وانخفضت كذلك أرباح شركة إكسترا (الشركة المتحدة للإلكترونيات) نتيجة تقلص الطلب على السلع غير الأساسية وارتفاع أسعار الفائدة.


هذا التراجع المتزامن بين شركات الأغذية والاستهلاك والإلكترونيات يُعدّ مؤشراً صريحًا على انكماش الطلب الداخلي وضعف القوة الشرائية للمواطنين، لا مجرد تقلبٍ تجاري عابر. فحسب نظرية هوامش الربح (Profit Margin Theory)، عندما ترتفع المبيعات الاسمية دون أن تتحسّن الأرباح، يكون الاقتصاد قد دخل فعليًا في مرحلة ركود تضخمي — تضخم في الأسعار يقابله ضعف في الطلب الحقيقي ونقص في الدخل المتاح للإنفاق.


كذلك، أغلقت مئات الشركات الصغيرة والمتوسطة أبوابها بسبب الرسوم المرتفعة وضعف الإقبال وارتفاع تكاليف التشغيل، في حين كان من المفترض نظريًا أن تسبق هذه السياسات الاقتصادية الجديدة مرحلة تحفيزٍ اقتصادي ترفع كفاءة الإنتاج وتوسّع قاعدة الدخل، لكن تطبيق القرارات دفعةً واحدة دون فترة انتقالية تدريجية خالف القاعدة الذهبية في الإدارة الاقتصادية التي تنصّ على أن أي إصلاحٍ مالي لا يُكتب له النجاح ما لم يسبقه تحفيز إنتاجي يخفّف آثاره الاجتماعية ويحافظ على استقرار السوق.


وفي المقابل، وجّهت الدولة إنفاقها نحو مشاريع عملاقة غير منتجة في الأجل المتوسط مثل نيوم وذا لاين والمربع الجديد والقدية وتروجان، التي تُقدّر تكلفتها الإجمالية بنحو 8.8 تريليون دولار أمريكي، أي ما يعادل تقريبًا 33 تريليون ريال سعودي، وفق تقديرات داخلية حديثة لمشروع نيوم. وهي أرقام تفوق بأضعاف الناتج المحلي الإجمالي للمملكة وتحتاج لعقود كي تُنجز. تقارير Financial Times وLe Monde أكدت أن هذه المشاريع تواجه تأخيرات مالية وتشغيلية وتقلصات في النطاق، ما يجعلها أقرب إلى استعراض رأسمالي يستهلك موارد البلاد دون أن يضيف قيمة اقتصادية حقيقية أو مردودًا إنتاجيًا على المواطن أو القطاع الخاص.


في الوقت نفسه، استمر صندوق الاستثمارات العامة بضخّ رؤوس الأموال خارج المملكة عبر استثمارات بمليارات الدولارات في شركات وصناديق أجنبية، بينما الاقتصاد المحلي يعاني من نقص السيولة وضعف الاستثمار الداخلي المنتج. وقد أظهرت تقارير مالية دولية أن العديد من هذه الاستثمارات الخارجية تحوّل إلى عبء يستنزف موارد الصندوق، إذ تم بيع بعضها بخسارة أو توقف العائد منها تمامًا، وهو ما يعكس سوء التخطيط وضعف العائد الاقتصادي الفعلي على البلاد.


من منظور النظريات الكينزية في الاقتصاد الكلي، يُعدّ هذا النهج خطأً هيكليًا فادحًا، لأن الدولة في فترات الركود وضعف الطلب الداخلي يجب أن تضخّ استثماراتها محليًا لتحفيز الإنتاج وخلق الوظائف ودعم الطلب المحلي، لا أن تُصدّر رؤوس الأموال إلى الخارج لتغذية اقتصادات الآخرين على حساب اقتصادها الوطني.


القطاع المصرفي بدوره بدأ يشعر بالضغط؛ فالبنوك السعودية تشكو من تراجع السيولة نتيجة انخفاض الودائع ولجوء الناس إلى السحب من مدخراتهم لتغطية نفقاتهم اليومية، وهو ما يعكس تآكل مداخيل الأسر نتيجة سياسات الحكومة وثبات المرتبات وارتفاع عدد العاطلين داخل هذه الأسر، ما أدى إلى انكماشٍ واضح في الدورة الاقتصادية وتراجع القدرة الشرائية في المجتمع.


إن السياسات الاقتصادية التي اتبعها محمد بن سلمان يصحّ أن تُوصف - دون أيّ مبالغة - بأنها سياسات تفقير ممنهجة تهدف إلى إفقار المواطن، فهي لم تكتفِ بإضعاف الطبقة المتوسطة، بل دفعت شرائح واسعة من المواطنين إلى حافة العوز من خلال الجمع بين الضرائب المرتفعة، ورفع الأسعار، وتقليص الدعم، واحتكار القرار الاقتصادي في يد واحدة بلا رقابة أو مساءلة.


محمد بن سلمان فشل في إدارة الاقتصاد وفق أبسط قواعد الإدارة العامة والاقتصاد الكلي. فقد جمع بين السياسات الانكماشية (رفع الضرائب والرسوم) والإنفاق الاستعراضي (المشاريع الضخمة غير المنتجة) دون خطة توازن أو فترة تدرج. ولو افترضنا حسن النية وأنه أراد خفض التضخم، فإن النتيجة جاءت معاكسة تمامًا: الأسعار تضاعفت والطلب انكمش. فمثلاً ارتفع سعر ساندويتش الدجاج من 2 ريال عام 2014 إلى 16 ريالًا في 2025، وسعر الخبز من 1 إلى 3 ريالات، وحليب الأطفال من 20 إلى أكثر من 70 ريالاً، والوقود من 0.55 هللة إلى 2.5 ريال.


بهذا، يغدو الاقتصاد السعودي نموذجًا كلاسيكيًا لـ الركود التضخمي (Stagflation) الممزوج بتآكل المداخيل وضعف النمو الحقيقي: المواطن يستهلك مدخراته، الشركات تفقد أرباحها، المصارف تعاني من شحّ السيولة، بينما حكومة محمد بن سلمان تلمّع نفسها بمنجزات اقتصادية وهمية وتواصل اختلاق أرقامٍ يكذبها الواقع. إن أزمة الكساد التي يعاني منها المواطن والاقتصاد السعودي هي نتيجة مباشرة لسياسات محمد بن سلمان، الذي يتحمّل كامل المسؤولية عن هذا الانحدار بسبب قراراته الفوقية، المتسرعة، وغير المدروسة، والتي تجاهلت أبسط قواعد الإدارة الاقتصادية الرشيدة والتوازن المالي المستدام.


ولا سبيل لتجنّب الانهيار الاقتصادي إلا بتغيير المسار جذريًا عبر انتهاج سياسات اقتصادية توسعية حقيقية تُعيد الثقة وتحفّز الطلب المحلي، تشمل:


- خفض ضريبة القيمة المضافة إلى ما دون 10٪ لتخفيف العبء الاستهلاكي.

- زيادة المرتبات بما يتناسب مع مستويات التضخم الحقيقي.

- خفض التعرفة الجمركية على السلع الغذائية واللوازم الدراسية والمكتبية لتقليل كلفة المعيشة.

- رفع إعانات العاطلين وزيادة المعونة الاجتماعية للفئات الضعيفة.

- خفض سن التقاعد ولو بسنة واحدة لفتح وظائف جديدة وتحريك دورة العمل.


إن سن التقاعد يُعدّ من أهم أدوات التحكم بالبطالة والتأثير على معدلاتها؛ فخفضه ولو بيومٍ واحد يعني خروج عددٍ من الموظفين يقابله فراغٌ يسمح بدخول عددٍ مماثل من الباحثين عن عمل، فكيف إذا خُفِّض لعدة أشهر أو لعامٍ كامل؟ إن ذلك كفيلٌ بخفض معدلات البطالة وتحريك عجلة الإنفاق والاستهلاك الداخلي، وربما يُقال إن هذا الإجراء قد يشكّل ضغطًا على موازنة صندوق المعاشات أو التأمينات الاجتماعية، لكن الجواب أن ذلك لا بأس به من منظور الاقتصاد الكلي، لأن معالجة البطالة أولى من تعظيم الفوائض المالية. هنا يأتي دور الدولة في خلق التوازن المالي عبر سدّ العجز مؤقتًا - سواء بدعمٍ مباشر من الميزانية العامة أو من خلال قروض سيادية منخفضة التكلفة - حتى يستقر السوق ويُعاد تنشيط الطلب المحلي.


ففي التجارب الاقتصادية السابقة، كانت الحكومات تلجأ في حالات البطالة المرتفعة إلى ما يُعرف بـ البطالة المقنّعة، فتخلق وظائف شكلية وتدفع رواتب كاملة لأشخاص لا يقومون بعمل منتج فقط لتخفيف الضغط الاجتماعي. بينما في هذا المقترح، الدولة لا تخلق وظائف وهمية، بل تسدّ عجز التأمينات الاجتماعية ضمن حدود معقولة، مقابل توسيع فرص العمل الحقيقية للشباب وإعادة توزيع الدخل بشكل أكثر عدلاً. فمبلغ المعاش التقاعدي يُعدّ منطقيًا ولا يشكل عبئًا حقيقيًا على المالية العامة مقارنة بالفوائد الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن خفض البطالة وتحفيز الإنفاق المحلي.


أما النداءات الحالية الصادرة من شخصيات ومنظمات غربية تطالب برفع سن التقاعد إلى 75 عامًا، فهي مطالب لا علاقة لها بالاقتصاد، بل هي مطالب سياسية بحتة. ولو دققنا في هويات أصحابها لوجدنا أن أغلبهم شخصيات أو منظمات أو إعلاميون محسوبون على الصهاينة، الذين تضررت مكانتهم وصورتهم كثيرًا بسبب المتقاعدين في مجتمعاتهم، إذ بدأ هؤلاء المتقاعدون - بما لديهم من خبرات ومعرفة اكتسبوها خلال خدمتهم - يسهمون في توعية شعوبهم بخطر تغلغل النفوذ الصهيوني في أنظمتهم السياسية والإعلامية.


وخلاصة القول: إن تفقير الشعب ليس سياسة تنمية بل سياسة تدمير. فكل اقتصاد يُبنى على إرهاق المواطن وتكبيله بالضرائب وحرمانه من الدخل الكافي، محكوم عليه بالركود والانهيار. وإذا لم تُعدّل حكومة محمد بن سلمان مسارها وتتبنَّ نهجًا اقتصاديًا أكثر عدالة وتوازنًا، فإن الكساد الحالي لن يكون مؤقتًا، بل سيتحوّل إلى أزمة مزمنة تهدد مستقبل البلاد وسمعتها الاقتصادية لعقود قادمة.

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الحكومة السعودية تقتل صحفيا آخر: الصحفي تركي الجاسر

سيرة المحامي إسحاق الجيزاني - مع بعض الذكريات

أسباب إنقلاب الأنظمة العربية على جماعة الإخوان المسلمين