السيادة… لمن لا يعلم معنى السيادة!
السيادة… لمن لا يعلم معنى السيادة!
هل تعلم بأن القطع البحرية الأمريكية التي تعمل بالطاقة النووية مثل حاملات الطائرات والغواصات ممنوعة من الرسو في الموانئ النيوزيلندية أو حتى العبور من مياهها الإقليمية؟
هذا المقال ليس دعوة للاعتراض على القطع البحرية الأمريكية التي تعمل بالدفع النووي في الخليج العربي فهي اليوم تقوم بمهام سامية من شأنها حماية المنطقة من الطموحات الإيرانية النووية التي تتهدد أمن المنطقة وسلامتها البيئية. لكن الهدف منه هو نشر الوعي بمعنى السيادة بعد أن أظهرت الحكومة السعودية انعدام أو ضعف الحساسية تجاه المساس بسيادتها والعدوان المباشر عليها خاصة في هذا العهد الذي تحجم وتقزم فيه دور المملكة ومكانتها وهيبتها. ولعل من أبرز الانتهاكات لسيادتها هو ما فعلت إيران مؤخراً بهتكها وانتهاكها سيادة البلاد لمدة تزيد على 30 يوما دون رد من الحكومة السعودية ولو بطلقة واحدة للدفاع عن سيادتها رغم ما تملكه من أسلحة متقدمة، ورغم التفاخر الدائم لمؤيديها بترسانتها المتنوعة من المعدات والطائرات والأسلحة الفتاكة وصفقات التسليح المكلفة التي لم تنفعها حين حان وقت الحاجة إليها حيث جبنت من استخدام أصغر ذخيرة فيها للرد على الاعتداءات الإيرانية المباشرة على سيادتها.
هذا المقال سيركز على التجربة النيوزيلندية كمثال لتوضيح معنى الحساسية تجاه المساس بالسيادة وضرورة اتخاذ موقف حازم لحماية حتى لو أدى ذلك الموقف لخسائر ليست بالهينة وعلى مدى سنوات طويلة. ومن أهم هذه الأمثلة سياسة نيوزيلندا المناهضة للأسلحة النووية التي أُقرت في الثمانينيات، وتحديدًا بعد صدور قانون المناطق الخالية من الأسلحة النووية لعام 1987. هذا القانون هو ما يمنع دخول أي مركبة للأراضي أو للمياه الإقليمية النيوزيلندية والهبوط في مطاراتها أو الرسو في موانئها لا تؤكد بشكل صريح أنها غير مسلحة نوويًا ولا تعمل بدفع نووي، بغض النظر عن الدولة التي تملكها أو حجمها أو قوتها. وقد تبنّت هذا التوجه حكومة نيوزيلندا في تلك الفترة، ليصبح جزءًا ثابتًا من سياستها الدفاعية والبيئية حتى اليوم.
لتتحول بذلك مسألة حماية البيئة والحفاظ عليها من جزءاً من سيادة البلاد ومن القضايا الكبرى لدى حكوماتها المتعاقبة ولدى الشعب النيوزيلندي حتى أنها باتت تشكل عاملاً مؤثراً في تقييم أداء الحكومات وفرص نجاحها في الانتخابات.
وقد ظهر هذا الموقف بوضوح في حادثة سفينة منظمة السلام الأخضر المعنية بالحفاظ على البيئة، والتي كانت تعمل على توثيق ومناهضة التجارب النووية الفرنسية في المحيط الهادئ، خصوصاً في جزر موروروا؛ ففي عام 1985، قامت عناصر من الاستخبارات الفرنسية (DGSE) بتنفيذ عملية سرية لتفجير السفينة Rainbow Warrior التابعة لمنظمة السلام الأخضر أثناء رسوّها في ميناء أوكلاند، بهدف منع طاقمها من الوصول إلى موقع التجارب النووية وعرقلة نشاطهم المناهض للتجارب.
أدى التفجير إلى مقتل أحد أفراد الطاقم، وتسبب بأزمة دبلوماسية حادة بين نيوزيلندا وفرنسا ودول أوروبية أخرى، واستمر التوتر لسنوات طويلة.
ورغم الأذى الاقتصادي والسياسي الذي لحق بنيوزيلندا نتيجة تمسكها بموقفها، فإنها لم تتراجع عن غضبها من انتهاك سيادتها، بل ربطت بين حماية بيئتها البحرية وصون سيادتها بشكل مباشر. فحادثة تفجير سفينة منظمة السلام الأخضر لم تكن مجرد خلاف دبلوماسي، بل لحظة مفصلية عززت قناعة المجتمع النيوزيلندي بأن حماية البيئة جزء لا يتجزأ من حماية السيادة، وأن أي نشاط نووي -سواء كان تجارب أو سفنًا تعمل بالطاقة النووية - يمثل تهديدًا مزدوجًا: للبيئة وللسيادة معًا.
ومع مرور الوقت، أصبحت هذه المواقف جزءًا متجذرًا في ثقافة المجتمع النيوزيلندي. حتى أن المظاهرات والاحتجاجات التي يقودها أنصار البيئة في نيوزيلندا تأخذ نصيب الأسد من حيث العدد وضخامة الحشود، إذ تُعد من أكبر التجمعات الشعبية في البلاد خلال العقود الأخيرة. فالحركات البيئية هناك تتمتع بقاعدة جماهيرية واسعة، تقودها منظمات نشطة مثل Greenpeace NZ و School Strike 4 Climate، اللتين تحظيان بحضور قوي في الشارع وفي النقاش العام.
ويرتبط هذا الزخم الشعبي باهتمام المجتمع النيوزيلندي الشديد بقضايا حماية السواحل، والحياة البحرية، والطاقة النظيفة، ومكافحة التلوث، والأنشطة النووية، وهو ما ينعكس بوضوح في حجم الاحتجاجات واتساع المشاركة فيها. كما أن الحملات البيئية لا تقتصر على المسيرات، بل تمتد عبر وسائل الإعلام المطبوعة والمرئية والمسموعة، وتستمر على مدار العام، مما يجعل قضايا البيئة جزءًا ثابتًا من الوعي العام وأحد أبرز أشكال التعبير المجتمعي في نيوزيلندا.
وهذا كله يكشف أن موقف نيوزيلندا من البيئة ليس منفصلاً عن مفهوم السيادة، بل هو أحد تجلياته الأساسية. فحين تفرض الدولة حظرًا واضحًا على دخول أي قطعة بحرية تعمل بالطاقة النووية -مهما كانت الدولة المالكة لها- فهي تمارس حقها السيادي الكامل في التحكم بمياهها الإقليمية، وحماية مواردها، وصون أمنها البيئي والبحري.
والسيادة، في معناها الشامل، هي السلطة الكاملة للدولة على أرضها ومياهها وفضائها وحدودها ومواردها، وحقها في سنّ القوانين، وتنظيم الأنشطة داخل إقليمها، واتخاذ القرارات دون تدخل أو ضغط خارجي. وهي تشمل حماية البيئة، وإدارة الثروات الطبيعية، والتحكم في الموانئ والممرات البحرية، وضمان أن كل ما يجري داخل الإقليم يتوافق مع القوانين الوطنية ومعايير الأمن والسلامة.
والدول التي تُظهر حساسية عالية تجاه سيادتها، وتتعامل مع أي انتهاك لها بوضوح وحزم، ترسّخ مكانتها كدول قوية تُحترم قراراتها، ويُحسب لها موقفها في المجتمع الدولي. وهكذا تصبح حماية البيئة، وصون المياه الإقليمية، ورفض أي نشاط لا ينسجم مع القوانين الوطنية -مهما كان مصدره- جزءًا من هوية الدولة، ودليلًا على قوة سيادتها واستقلال قرارها.
الهدف من هذا المقال هو تسليط الضوء على معنى السيادة، وكيف تُمارس الدول حقها في حماية حدودها ومياهها ومواردها، استنادًا إلى نماذج واضحة مثل التجربة النيوزيلندية. هذه ليست دعوة للاعتراض على وجود القطع البحرية الأمريكية التي تعمل بالدفع النووي في الخليج العربي وقد تكون أيضا تحمل أسلحة وذخائر نووية. فهي اليوم تقوم بمهام سامية تتعلق بحماية الممرات البحرية، ومحاولة حماية المنطقة وتخليصها من مخاطر البرنامج النووي الإيراني الذي يهدد أمن المنطقة وسلامة بيئتها.
ففي حالات كثيرة حول العالم، تُظهر الدول حساسية عالية تجاه أي نشاط يمسّ سيادتها، حتى لو كان من حلفاء أو شركاء؛ فدول مثل النرويج تفرض قيودًا صارمة على دخول السفن التي لا تلتزم بمعاييرها البيئية.
واليابان تمنع أي نشاط بحري داخل مناطقها الاقتصادية دون تصريح واضح.
وأستراليا تفرض رقابة مشددة على الممرات البحرية لحماية الشعاب المرجانية والبيئة البحرية.
هذه الأمثلة توضّح أن السيادة ليست مجرد مفهوم سياسي، بل ممارسة يومية لحماية الأرض والمياه والموارد والقرار الوطني.
ومن هذا المنطلق، يهدف المقال إلى إبراز أهمية الحساسية تجاه السيادة، وكيف أن الدول التي تُظهر وضوحًا وحزمًا في حماية حدودها ومياهها وفضائها تُرسّخ مكانتها وهيبتها بين الأمم. فالسيادة - في معناها الشامل - هي قدرة الدولة على حماية أرضها، ومياهها الإقليمية، ومواردها الطبيعية، وتنظيم أنشطتها الداخلية، واتخاذ قراراتها دون تدخل خارجي.
وهي تشمل حماية البيئة، وإدارة الثروات، والتحكم في الموانئ والممرات البحرية، وضمان أن كل ما يجري داخل الإقليم يتوافق مع القوانين الوطنية ومعايير الأمن والسلامة.