تجديد عقد رونالدو في السعودية: سفه وغسيل سمعة وتبديد المال العام

تجديد عقد رونالدو في السعودية:

 سفه وغسيل سمعة وتبديد المال العام







في وقتٍ تتعالى فيه أصوات المواطنين وهم يئنّون تحت وطأة الغلاء والتضخم والبطالة، تطل علينا تسريبات عن تفاصيل عقد تجديد اللاعب البرتغالي كريستيانو رونالدو مع نادي النصر، في صفقة وُصفت بأنها "الأضخم في تاريخ الرياضة"، ممولة من صندوق الاستثمارات العامة، الذراع الاستثماري السيادي للدولة.

العقد يتضمن راتباً سنوياً بقيمة 178 مليون جنيه إسترليني، أي ما يعادل نحو 225 مليون دولار أمريكي، أي ما يقارب 843.75 مليون ريال سعودي.
أما الراتب الأسبوعي، فقد بلغ 3.4 مليون جنيه إسترليني، ما يعادل حوالي 4.3 مليون دولار، أي ما يقارب 16.1 مليون ريال سعودي أسبوعياً.
ويشمل العقد أيضاً منحه 15% من ملكية نادي النصر، تُقدّر بنحو 42 مليون دولار، أي ما يعادل 157.5 مليون ريال سعودي.


في هذا السياق، تبرز تساؤلات ملحة ومشروعة حول الأولويات الاقتصادية، ومفهوم العدالة الاجتماعية، وحق المواطن في الرقابة والمحاسبة على إدارة الثروة الوطنية، خاصةً عندما تكون هذه الثروة مصدرها صندوق سيادي من المفترض أن يخدم مصالح الأجيال الحالية والمستقبلية لا أن يُنفق ببذخ لإرضاء نرجسية تسويقية أو تحسين صورة دولية مؤقتة.


بطالة وتضخم

تشهد السعودية في السنوات الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في معدلات البطالة، خاصة بين الشباب والنساء، وهي فئات من المفترض أن تكون في صدارة خطط التمكين الاقتصادي والتنمية البشرية. ورغم البرامج الحكومية العديدة مثل "نطاقات" و"تمكين"، إلا أن الواقع يُظهر أن فرص التوظيف المستدام والمجزية لا تزال محدودة، وأن البطالة المقنعة في القطاع العام، والعمل الهش في القطاع الخاص، لم تُعالج جوهرياً.

على الجانب الآخر، يعاني المواطن من تصاعد مستمر في تكاليف المعيشة، بعد فرض الضرائب والرسوم المتعددة، ورفع الدعم عن الكهرباء والمحروقات والمياه. ومع موجات التضخم العالمي، ازداد الضغط على الأسر السعودية، وتراجعت القوة الشرائية، مما زاد من ظواهر اجتماعية مثل تأخر سن الزواج و"العنوسة"، كنتيجة مباشرة لتدهور الاستقرار المعيشي وغلاء المساكن والمهور.

وسط هذا المشهد، تأتي صفقة تجديد عقد رياضي أجنبي بـ843 مليون ريال سنوياً، ليتساءل المواطن: هل هذه الأموال فائضة إلى حدّ يمكن صرفها على لاعب كرة قدم، في حين يتم تحميل المواطن تكاليف "إصلاحات اقتصادية" تُدار بشكل فوقي، ومن دون حوار مجتمعي شفاف؟


ديون وسيولة

تشير بيانات رسمية وتقارير دولية إلى تصاعد الديون العامة للمملكة، داخليًا وخارجيًا، حيث تجاوز الدين العام حاجز 1.1 تريليون ريال سعودي. في الوقت ذاته، تراجع صافي الاحتياطيات الأجنبية في البنك المركزي، وانخفضت السيولة الدولارية في البنوك التجارية، مما اضطر الحكومة أحيانًا للعودة إلى سوق السندات الدولية لتغطية العجز.

هنا، تصبح صفقة تمويل عقد رياضي بهذا الحجم من أموال صندوق الاستثمارات العامة ليست فقط قرارًا غير مسؤول اقتصاديًا، بل يشكل انحرافًا عن الغاية الأساسية لهذا الصندوق، التي نصّت على تنمية الأصول الوطنية وتحقيق الاستدامة المالية وتنويع الاقتصاد.

إذا كانت الحكومة السعودية تطالب المواطن بالتقشف وتحمل التبعات، فمن الأولى أن تبدأ بنفسها في مراجعة الإنفاق الفاخر وغير المنتج، خاصة عندما يتعلق الأمر بإرضاء طموحات "الترفيه المكلف" الذي لا يقدم مردودًا مستدامًا أو مؤثرًا على المستوى التنموي.


رقابة غائبة

في الديمقراطيات المتقدمة، نجد أن إقدام حكومة على عقد صفقة إنفاق رياضي أو تسويقي بهذا الحجم كان سيقابل بحملات رقابة إعلامية وشعبية، فضلاً عن استجوابات برلمانية ومساءلات أمام لجان مختصة. ففي دول مثل ألمانيا أو بريطانيا أو كندا، يتم التعامل مع المال العام وموارد الدولة بسياسات محكمة وبمبادئ الشفافية والمحاسبة.

على سبيل المثال، عندما قامت إحدى الحكومات الأوروبية بتمويل مشروع رياضي ضخم من أموال الدولة في وقت تقشف، واجهت موجة من النقد البرلماني وصلت إلى حدّ سحب الثقة. في المقابل، وفي الحالة السعودية، يتم تسريب معلومات عن عقد بمئات الملايين من الريالات بلا أي توضيح رسمي، أو حتى محاولات لإقناع الرأي العام بجدوى هذا الإنفاق أو مردوده الاقتصادي والاجتماعي.

غياب الإعلام المستقل، وانعدام الحياة البرلمانية الفاعلة، وعدم وجود مؤسسات رقابية حقيقية تُمكّن المواطن من المشاركة في النقاش العام حول الإنفاق العام، كلها عوامل تعزز مناخ اللامحاسبة وتغذّي القرارات غير الرشيدة.


استثمارات منحرفة

صندوق الاستثمارات العامة، الذي يفترض أن يكون أداة استراتيجية لتحقيق "رؤية 2030"، تم توجيه جزء كبير من أصوله في السنوات الأخيرة نحو مشروعات الترفيه والرياضة، من تنظيم بطولات المصارعة والفورمولا 1، إلى الاستحواذ على أندية أوروبية ودفع عقود ضخمة لنجوم عالميين.

ورغم أن الترويج لهذه الخطوات يتم تحت شعار "تنويع مصادر الدخل" و"تعزيز مكانة المملكة دوليًا"، فإن الواقع يُظهر أنها قرارات تستهلك موارد مالية هائلة دون مردود مباشر على الاقتصاد الحقيقي، أو على تنمية الكفاءات المحلية، أو تحسين الخدمات العامة في الصحة والتعليم والإسكان.

فما هي الجدوى الحقيقية من دفع 843 مليون ريال سنوياً للاعب واحد، و157.5 مليون ريال لمجرد نسبة ملكية في نادٍ رياضي، مقابل تجاهل الاستثمارات في تنمية الشباب المحلي، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وبناء قاعدة اقتصادية صلبة؟


رمزية مستفزة

صفقة تجديد عقد رونالدو تحمل بُعدًا رمزيًا خطيرًا: إنها تقدم نموذجًا صارخًا للفجوة بين السلطة والثروة من جهة، والمواطن العادي من جهة أخرى. فهي رسالة ضمنية تقول: "نملك من المال ما يكفي لتمويل الرفاه الشخصي والسياسي، لكن لا تطالبونا بتوظيفكم أو بدعم أسعار الوقود أو تخفيض الضرائب".

إن التعاقد مع لاعب عالمي ليس جريمة، ولكن التوقيت، والحجم، والمصدر، كلها تجعل من هذه الصفقة عنوانًا صارخًا لاختلال الأولويات وغياب الرؤية المتوازنة.

في الأنظمة الديمقراطية، هذا النوع من العقود يُعرض على مساءلة شعبية وقانونية. أما في الحالة السعودية، فليس أمام المواطن سوى التلقي السلبي، في غياب أدوات التعبير والمحاسبة، بينما تُدار ثروته وكأنها ملك شخصي لفئة ضيقة.


وعي مطلوب

في النهاية، صفقة رونالدو ليست سوى عرض جانبي لمشهد أكبر من سوء توزيع الموارد وغياب التخطيط التنموي المتزن. لا يمكن للوطن أن يزدهر بعقود رياضية فلكية في حين أن شبابه ينتظرون وظيفة، وأسرته تكافح من أجل سكن كريم، وخريجوه يهاجرون أو يقبلون بأجور متدنية.

إن أخطر ما في هذه الصفقة ليس الرقم المالي، بل ما تكشفه من منطق سلطوي يرى في المال العام أداة للدعاية لا للتنمية، وللشو الإعلامي لا للعدالة الاجتماعية. ولذلك فإن إعادة ترتيب الأولويات، ومأسسة الرقابة، وتمكين المواطن من مراقبة ثروته، باتت ضرورة لا رفاهية.

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الحكومة السعودية تقتل صحفيا آخر: الصحفي تركي الجاسر

سيرة المحامي إسحاق الجيزاني - مع بعض الذكريات

أسباب إنقلاب الأنظمة العربية على جماعة الإخوان المسلمين