طب الأسنان في السعودية.. ثروة بشرية معطلة تنتظر الاستثمار
طب الأسنان في السعودية.. ثروة بشرية معطلة تنتظر الاستثمار
تفاقمت في السنوات الأخيرة مشكلة عطالة خريجي طب الأسنان في السعودية بصورة لافتة، حتى أصبحت من أبرز أزمات سوق العمل الصحي. فآلاف الأطباء والطبيبات يدخلون سوق العمل سنويًا بعد سنوات طويلة من الدراسة والتدريب والتأهيل المكلف، ثم يجد كثير منهم أنفسهم بين البطالة، أو التعثر المهني، أو العمل برواتب متدنية لا تتناسب مع حجم التأهيل العلمي والطبي الذي حصلوا عليه.
هذه المشكلة لا تمثل مجرد أزمة توظيف، بل تعني تعطيل مورد بشري عالي القيمة كان يمكن أن يتحول إلى قطاع اقتصادي وصحي مهم ينعش الاقتصاد، ويوسع الخدمات الصحية، ويخلق الوظائف، ويرفع الإيرادات الضريبية، ويضيف قيمة حقيقية للموازنة العامة والاقتصاد الوطني.
كما أن استمرار تعطل أطباء الأسنان لسنوات يؤدي تدريجيًا إلى تآكل المهارات السريرية وفقدان جزء من الكفاءة العملية التي أُنفقت سنوات طويلة لتكوينها، ما يعني خسارة إضافية للاستثمار التعليمي والصحي.
اليوم يُقدَّر عدد خريجي طب الأسنان في السعودية بين 2000 و3000 خريج سنويًا، بينما تُتداول تقديرات تتحدث عن وجود نحو 10 آلاف طبيب وطبيبة أسنان بين البطالة والتعثر المهني وضعف الفرص.
في المقابل، فإن تجهيز عيادة أسنان أساسية حديثة يحتاج في المتوسط إلى نحو 500 ألف ريال تقريبًا، بينما قد يبلغ متوسط الإيجار والتشغيل الأولي والتجهيز الإداري نحو 200 ألف ريال إضافية.
أي أن متوسط التمويل الواقعي المطلوب لتمكين طبيب الأسنان من بدء مشروعه يقارب:
700 ألف ريال تقريبًا.
لو قررت الدولة أو القطاع التمويلي الاستثمار في تمكين 10 آلاف طبيب أسنان من افتتاح عيادات مستقلة أو جماعية، فإن حجم الاستثمار المطلوب سيبلغ تقريبًا:
7 مليارات ريال.
لكن هذا الرقم ليس “دعماً استهلاكياً”، بل تأسيس قطاع اقتصادي وصحي مهم ومستدام.
فعيادة الأسنان العادية اليوم قد تحقق تقريبًا:
• بين 1.5 و2.5 مليون ريال سنويًا في المدن الكبرى.
• بين 800 ألف و1.5 مليون في المدن المتوسطة.
• نحو 400 ألف إلى 900 ألف في المدن الصغيرة.
كما أن تكلفة مراجعة المريض في القطاع الخاص أصبحت تتراوح غالبًا بين:
100 و300 ريال للكشف والخدمات البسيطة،
بينما تصل بعض الإجراءات والعلاجات إلى آلاف الريالات.
لو افترضنا فقط أن متوسط دخل كل عيادة من هذه العيادات الجديدة بلغ مليون ريال سنويًا، فإننا نتحدث عن:
10 مليارات ريال سنويًا كإيرادات مباشرة لقطاع طب الأسنان.
ضريبة القيمة المضافة وحدها بنسبة 15% قد تضيف للموازنة العامة نحو:
1.5 مليار ريال سنويًا.
أما ضريبة الدخل والزكاة والرسوم والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بهذا القطاع، فقد ترفع العائد الحكومي السنوي الإجمالي إلى مليارات إضافية بصورة مباشرة وغير مباشرة.
بذلك، فإن الدولة قد تستعيد كامل قيمة استثمارها المقدَّر بـ 7 مليارات ريال خلال نحو 4 إلى 6 سنوات تقريبًا عبر الضرائب والرسوم والدورة الاقتصادية المصاحبة، فضلًا عن المكاسب الصحية والاجتماعية طويلة المدى.
فوق ذلك، فإن الاستثمار في أطباء الأسنان السعوديين سيؤدي إلى:
• زيادة عدد العيادات.
• توسيع التغطية الصحية.
• زيادة التنافس.
• انخفاض تكلفة الخدمات.
• خلق وظائف إضافية.
• تحريك الاقتصاد المحلي.
زيادة عدد العيادات ستسهم أيضًا في تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية وتقليل فترات الانتظار الطويلة في خدمات الأسنان الأساسية.
كما أن كثيرًا من المحافظات والقرى لا تزال تعاني ضعف انتشار خدمات الأسنان رغم وجود آلاف الخريجين العاطلين، ما يكشف وجود خلل في التوزيع والتمكين أكثر من كونه نقصًا في الكفاءات.
يجب أن يصبح انتشار عيادات الأسنان في الأحياء والمدن كانتشار صالونات الحلاقة، لأن خدمات الأسنان ليست رفاهية، بل حاجة صحية مستمرة لكل أسرة ومجتمع.
زيادة عدد العيادات والمنافسة ستدفع كذلك إلى تحسين جودة الخدمة وتجربة المريض والأسعار، بدل بقاء كثير من المرضى مضطرين لتأجيل العلاج بسبب ارتفاع التكاليف أو قلة الخيارات المتاحة.
كل عيادة بحاجة - على الأقل - إلى موظف استقبال، ما يعني خلق ما بين 5 آلاف إلى 10 آلاف وظيفة إضافية مباشرة، ويمكن اشتراط أن يكون موظف الاستقبال مواطنًا سعوديًا وبراتب لا يقل عن 5 آلاف ريال شهريًا كأحد شروط التمويل.
قطاع طب الأسنان لا يخلق وظائف للأطباء فقط، بل يحرك قطاعات اقتصادية متعددة مثل:
• المختبرات.
• شركات الأجهزة الطبية.
• شركات التعقيم.
• الصيانة الطبية.
• البرمجيات والإدارة الصحية.
• مواد الأسنان والاستهلاك الطبي.
كما أن تمويل الأطباء الشباب لافتتاح عياداتهم الخاصة قد يكون أقل تكلفة وأكثر كفاءة اقتصاديًا من إنشاء وتشغيل مراكز حكومية جديدة بالكامل. تحويل طبيب الأسنان من عاطل إلى مالك مشروع يعني أيضًا تحويله إلى:
• دافع ضرائب.
• مستأجر عقار تجاري.
• مشغل موظفين.
• مستهلك للأجهزة والخدمات.
• مساهم فعلي في الدورة الاقتصادية المحلية.
كما يمكن إنشاء برنامج شراء جماعي أو “بنك تجهيزات طبية” للحصول على خصومات كبيرة عند شراء آلاف الكراسي والأجهزة والمعدات دفعة واحدة.
خيارات التمويل:
1- تقديم قرض حسن حكومي يستحقه كل خريج مؤهل، أو مجموعة لا تقل عن طبيبين أو أكثر لافتتاح عيادة خاصة أو جماعية.
2- تشجيع البنوك على تقديم قروض مهنية ميسرة لأطباء الأسنان بضمانات مرنة ومدروسة.
3- إنشاء نموذج تمويل مختلط بين الحكومة والبنوك بحيث تتحمل الدولة جزءًا من الضمان أو التمويل لتحفيز القطاع المصرفي وتقليل المخاطر.
طبعًا لا يعني ذلك توزيع الأموال عشوائيًا، بل يمر التمويل بعدة مراحل:
• دراسة جدوى.
• تقييم مهني.
• اعتماد الموقع والتجهيزات.
• رقابة على الاستمرارية والأداء.
• ربط التمويل بالتشغيل الفعلي للعيادة.
في المقابل يجب أيضًا تسهيل الضمانات، بحيث لا يُعامل طبيب الأسنان كأنه يطلب قرضًا استهلاكيًا، بل كصاحب مشروع صحي منتج، ويمكن أن تكون الضمانات:
• بضمان الذمة المالية للمقترض.
• بضمان تجهيزات العيادة نفسها.
قضية خريجي طب الأسنان ليست مجرد ملف بطالة، بل قضية استثمار وطني في رأس مال بشري عالي التأهيل. فبدلًا من ترك آلاف الأطباء معطلين رغم الحاجة المستمرة للخدمات الصحية، يمكن تحويلهم إلى قطاع اقتصادي وصحي منتج يخلق الوظائف، ويوسع التغطية العلاجية، ويخفض الأسعار، ويرفع الإيرادات الضريبية، ويضيف مليارات الريالات للاقتصاد الوطني على المدى الطويل.