تملك غير المسلمين للعقار في الحرمين: جدوى اقتصادية أم خيانة ومُقابل سياسي؟

  تملك غير المسلمين للعقار في الحرمين
جدوى اقتصادية أم خيانة ومُقابل سياسي؟


"الرجل الطموح لا يمكن الوثوق به في السياسة، لأنه يبيع كل شيء ليشتري الفرصة."، نيقولو مكيافيللي.


كان الأجدر أن يُسمى نظام تملك غير السعوديين للعقار بعد تعديله الأخير المنشور في جريدة أم القرى بتاريخ 1447/1/30 هـ الموافق 2025/07/25م الذي أصدره محمد بن سلمان بنظام تملك غير المسلمين للعقار في مكة المكرمة والمدينة المنورة. طيلة عقود، ظلّت مكة المكرمة والمدينة المنورة محميتين من التملك الأجنبي حمايةً لخصوصيتهما باعتبارهما مدينتين مقدستين للمسلمين، ومكانتهما كمكانة الفاتيكان لدى المسيحيين الكاثوليك. ومع صدور نظام تملك غير السعوديين للعقار لعام 2025، تبدّل المشهد جذريًا، وانفتح باب التملك بطريقة تطرح تساؤلات خطيرة حول حقيقة التوجهات التشريعية الجديدة، وعن الهوية الدينية التي لطالما ميّزت المدينتين المقدستين.

المادة الثانية: التقييد الديني لتملك الفرد ينص النظام في مادته الثانية على أن غير السعودي المسلم فقط هو من يُسمح له بتملك العقار في مكة المكرمة والمدينة المنورة بصفته الشخصية، مما يكرّس قيدًا دينيًا واضحًا على التملك الفردي فيهما، ويبدو في الظاهر أنه يحفظ قدسيتهما من الاختراق العقاري.




المادة الثالثة: فتح الباب للشركات دون قيود دينية إلا أن المادة الثالثة تنسف ذلك القيد، وتفتح ثغرة تشريعية جسيمة تسمح للشركات غير المدرجة في السوق المالية السعودية، المؤسسة وفقًا لنظام الشركات، بتملك العقار في جميع أنحاء المملكة، بما في ذلك مكة والمدينة، من غير أي قيد ديني على ملاكها سواء كانوا أفرادًا أو كيانات اعتبارية. وليست هذه الثغرة ناتجة عن خطأ في الصياغة، بل تبدو مقصودة ومصممة بعناية، وقد يكون إدراجها قد تم بتوجيه مباشر من محمد بن سلمان، خاصة أن الصياغة التشريعية المستخدمة فيها تحمل طابعًا غير مألوف في مثل هذه النصوص.

التملك تحت ستار الشركات استنادًا إلى المادة (154) من نظام الشركات السعودي، يمكن تأسيس شركة ذات مسؤولية محدودة من شخص واحد فقط، ويمكن أن يكون أجنبيًا بشرط الحصول على رخصة استثمار، مما يعني أن غير المسلم يستطيع تأسيس شركة باسمه وحده ويستخدمها لتملك العقار في المدينتين، متجاوزًا التقييد الديني المفروض على الأفراد بمظهر قانوني مشروع. رغم أن الشركة تُعد شخصية اعتبارية مستقلة، إلا أن من حق مالكها، أكان فردًا أو شريكًا، الدخول إلى العقار والانتفاع به مباشرة، مما يجعل الادعاء بأن المالك لا يستطيع دخول العقار لكونه غير مسلم غير قائم على أساس قانوني، خاصة أن المادة الثالثة (الفقرة 2) والمادة السادسة تؤكدان على الحقوق العينية المرتبطة بالعقار دون تمييز.





التدرج في التملك: من قرار إداري إلى نظام رسمي فتح باب التملك الأجنبي للعقار في الحرمين الشريفين لم يبدأ بهذا النظام فقط، بل بدأت أولى خطواته بقرار من هيئة السوق المالية السعودية في أغسطس 2021، أتاح للشركات والصناديق المدرجة في السوق المالية تملك العقار في مكة والمدينة. وعلى الرغم من أن الهيئة لا تملك صلاحية التشريع، فقد تم ترسيخ هذا القرار لاحقًا في المادة الرابعة من النظام الجديد، ليصبح جزءًا من النظام الرسمي، ما يعني أن أي نزاع حول شرعية التملك السابق أصبح باطلًا، وتحوّلت تلك التملكات إلى مشروعات نظامية مستندة إلى نص تشريعي نافذ، لا إلى قرار إداري قابل للنقض.





خطر التملك الأجنبي على القدسية العقارية هذه التطورات التشريعية تمثل تحولًا جوهريًا في طبيعة التملك العقاري في المدينتين، وتطرح تساؤلات عميقة عن مدى الحفاظ على الهوية الدينية لهما. فتح الثغرات القانونية أمام غير المسلمين لتملك عقارات في أكثر الأماكن حساسية دينيًا دون اشتراطات صريحة يفتح الباب لاختراقات مستقبلية تهدد خصوصيتهما العقائدية، بل يمكن القول إن هناك نزعة تشريعية منظمة تمهد للانسلاخ التدريجي عن الهوية الدينية التي لطالما ارتبطت بأرض الحرمين والتملك فيهما.



خاتمة لا يزال بإمكان المشرّع المثير للريبة إزالة الشبهة عنه وعن تصرفاته، حيث تنص المادة الثالثة عشرة على أن على مجلس الوزراء إصدار اللائحة التنفيذية خلال 180 يومًا من تاريخ نشره في الصحيفة الرسمية "أم القرى"، أي اعتبارًا من 25 يوليو 2025. وهذه اللائحة المرتقبة ستكون بمثابة الصمام الأخير، فإما أن تُغلق هذه الثغرات وتعيد الاعتبار للتقييد الديني، أو تُشرّع التملك الأجنبي بلا حدود.



نأمل أن تتضمّن اللائحة التنفيذية قيودًا صريحة تحافظ على قدسية المدينتين، منها:

  • نص صريح يشترط أن يكون مالك الشركة مسلمًا سنيًّا، نظرًا لغالبية سكان المدينتين من أهل السنة.

  • تحديد سقف زمني لتملك العقار للأجانب (99 سنة)، يعود بعده العقار تلقائيًا لأملاك الدولة بما عليه من بناء.

  • التزام المالك وورثته قانونيًا بكافة الالتزامات المالية التي ترتبت على العقار خلال فترة التملك، سواء للدولة أو لغيرها.

"العميل الطموح لا يحتاج إلى تهديد، فقط أعطه وعدًا بمستقبل مشرق وسيفعل كل ما تريد."، مقولة منتشرة في أدبيات أجهزة الاستخبارات (مثل CIA وKGB)، تُظهر أن الطموح أداة فعالة للتجنيد.

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الحكومة السعودية تقتل صحفيا آخر: الصحفي تركي الجاسر

سيرة المحامي إسحاق الجيزاني - مع بعض الذكريات

أسباب إنقلاب الأنظمة العربية على جماعة الإخوان المسلمين