مشروعية التسجيلات التركية في جريمة مقتل خاشقجي - قراءة قانونية وسياسية

مشروعية التسجيلات التركية في جريمة مقتل جمال خاشقجي

 قراءة قانونية وسياسية



حتى الآن، لا يُعرف على وجه الدقة مصدر التسجيلات الصوتية التي وثّقت جريمة قتل الصحفي جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية في إسطنبول. فقد تكون ناتجة عن أجهزة تنصت زرعتها السلطات التركية، أو ربما سُجّلت من قبل أحد العاملين في القنصلية، أو حتى أحد أعضاء فريق الاغتيال نفسه.

وإذا افترضنا أن هذه التسجيلات جاءت نتيجة تنصت، فإن القانون الدولي لا يمنع الدول من مراقبة نشاط البعثات الدبلوماسية على أراضيها، خاصة إذا توفرت مؤشرات على تهديد محتمل للأمن القومي. في الحالة التركية، يمكن تبرير التنصت بادعاء أن السفارة السعودية لعبت دورًا في دعم الانقلاب الفاشل عام 2016، أو أنها لا تزال تمارس أنشطة عدائية أو تموّل جماعات إرهابية داخل تركيا.

في هذا السياق، يصبح التجسس الدولي مشروعًا بأثر رجعي إذا أسفر عن أدلة قاطعة تكشف جريمة أو مؤامرة تمس سيادة الدولة. وهذا ما ينطبق على جريمة قتل خاشقجي، التي تُعد دليلًا دامغًا يبرر قانونيًا وأخلاقيًا أي وسيلة استخباراتية أفضت إلى كشفها.

أما من الناحية القضائية، فإن تقديم هذه التسجيلات كأدلة في المحكمة يُعد أمرًا مشروعًا. فمثلًا، قانون "باتريوت آكت" الأمريكي، الذي أُقر بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، يمنح المدعي العام صلاحية استخدام الأدلة التي جمعتها أجهزة الاستخبارات، بغض النظر عن طريقة الحصول عليها، طالما أنها تخدم العدالة وتكشف تهديدًا حقيقيًا.

تشكيك السعودية في مصدر التسجيلات لا يُسقط عنها مسؤولية الجريمة، ولا يُلزم المحكمة بالخوض في تفاصيل كيفية الحصول عليها، خاصة إذا ادّعت تركيا أن المصدر هو أحد العاملين في القنصلية، وأن الكشف عن هويته قد يعرّض حياته للخطر. هذا النوع من الحماية معمول به في المحاكم الدولية، حيث يُسمح بإخفاء هوية الشهود في حالات التهديد الجسيم.

من جهة أخرى، فإن مبدأ علانية الجلسات، الذي يُعد من ركائز المحاكمة العادلة، يفرض أن تُعرض الأدلة على الرأي العام، لا سيما في القضايا التي تهم المجتمع الدولي. فكما تنص المادة 67 من نظام المحكمة الجنائية الدولية، للمتهم الحق في محاكمة علنية، ما لم تقتضِ الضرورة خلاف ذلك.

وقد شهدنا تطبيق هذا المبدأ في محاكمات بارزة:

  • محاكمة صدام حسين، حيث بُثت جلسات الاستماع للشهود على الهواء مباشرة.

  • محاكمة حسني مبارك، التي نُقلت وقائعها عبر القنوات الفضائية.

  • محكمة نورمبرغ، التي حاكمت رموز النظام النازي علنًا.

  • حتى في القضايا المدنية، مثل محاكمة مايكل جاكسون، كانت الجلسات مفتوحة للجمهور، ما يعكس أهمية الشفافية في تحقيق العدالة.

أما في حال تسريب الصحافة لهذه التسجيلات خارج إطار المحكمة، فلا يمكن ملاحقتها قانونيًا أو الضغط عليها لكشف المصدر، طالما أن النشر لا ينتهك خصوصية أفراد غير معنيين بالقضية.

أخيرًا، لا يفرض القانون الدولي عقوبات مباشرة على أعمال التجسس، بل يترك للدولة المتضررة حرية الرد بما تراه مناسبًا، مثل خفض التمثيل الدبلوماسي، طرد السفراء، أو حتى قطع العلاقات. وهذا ما يجعل التجسس أداة سياسية بقدر ما هو أداة أمنية.

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الحكومة السعودية تقتل صحفيا آخر: الصحفي تركي الجاسر

سيرة المحامي إسحاق الجيزاني - مع بعض الذكريات

أسباب إنقلاب الأنظمة العربية على جماعة الإخوان المسلمين